محمد بن جرير الطبري

272

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقال آخرون : خلق الشيء صفة له ، لا هي هو ، ولا غيرُه . قالوا : لو كان غيرُه لوجب أن يكون مثله موصوفًا . قالوا : ولو جاز أن يكون خَلقُه غيرَه ، وأن يكون موصوفًا ، لوجب أن تكون له صفة هي له خَلق . ولو وجب ذلك كذلك ، لم يكن لذلك نهاية . قالوا : فكان معلومًا بذلك أنه صفة للشيء . قالوا : فخلق السماوات والأرض صفة لهما ، على ما وصفنا . واعتلُّوا أيضًا - بأن للشيء خلقًا ليس هو به - من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأولون . * * * وقال آخرون : خَلق السماوات والأرض ، وخلق كل مخلوق ، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره . فمعنى قوله : " إن في خلق السماوات والأرض " : إنّ في السماوات والأرض . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " واختلاف الليل والنهار " ، وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس . * * * وإنما " الاختلاف " في هذا الموضع " الافتعال " من " خُلوف " كل واحد منهما الآخر ، ( 2 ) كما قال تعالى ذكره : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) [ سورة الفرقان : 62 ] . بمعنى : أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه ، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده ، وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه . ومن ذلك قيل : " خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء " ، ومنه قول زهير : بِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً . . . وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَم ( 3 ) * * *

--> ( 1 ) لم يتبع أبو جعفر في هذا الموضع ما درج عليه من ترجيح القول الذي يختاره . وهذا مما يدل على ما ذهبنا إليه ، أنه كان يختصر كلامه أحيانًا ، مخافة الإطالة . هذا إذا لم يكن في المخطوطات خرم أو اختصار من ناسخ أو كاتب . ( 2 ) " خلوف " مصدر " خلف " ، ولم أجده في كتب اللغة ، ولكنه عربي معرق في قياسه . ( 3 ) ديوانه : من معلقته العتيقة . والهاء في " بها " إلى " ديار أم أوفى " صاحبته . والعين جمع عيناء : وهي بقر الوحش ، واسعة العيون جميلتها . والآرام جمع رئم : وهي الظباء الخوالص البياض ، تسكن الرمل . " خلفة " إذا جاء منها فوج ذهب آخر يخلفه مكانه . يصف مجيئها وذهوبها في براح هذه الرملة . والأطلاء جمع طلا : وهو ولد البقرة والظبية الصغير . ويصف الصغار من أولاد البقر والظباء في هذه الرملة ، وقد نهض هذا وذاك منها من موضع جثومه . يصف اختلاف الحركة في هذه الفقرة المهجورة التي فارقتها أم أوفى ، وقد وقف بها من بعد عشرين حجة - ، كما ذكر .